ابن الجوزي
187
زاد المسير في علم التفسير
وقرأ أبي بن كعب ، ومجاهد وأبو الجوزاء : ثم سوءلوا " برفع السين ومد الواو بهمزة مكسورة بعدها . وقرأ الحسن ، وأبو الأشهب : " ثم سولوا " برفع السين وسكون الواو من غير مد ولا همز . وقرأ الأعمش ، وعاصم الجحدري : " ثم سيلوا " بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا واو . ومعنى : " سئلوا الفتنة " ، سئلوا فعلها ، والفتنة : الشرك ، ( لآتوها ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر : " لآتوها " بالقصر ، أي : لقصدوها ، ولفعلوها . وقرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : " لآتوها " بالمد ، لأعطوها . قال ابن عباس في معنى الآية لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا . قوله تعالى : ( وما تلبثوا بها إلا يسيرا ) فيه قولان : أحدهما : وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا ، قاله قتادة . والثاني : وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى يعذبوا ، قاله السدي ، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا ، وهو أن الفتنة هاهنا : الحرب ، والمعنى : ولو دخلت المدينة على أهلها من أقطارها ، ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين ، وما تلبثوا - يعني الجيوش الداخلة عليهم بها - إلا قليلا حتى يخرجوهم منها ، وإنما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك ، قال وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي . قوله تعالى : ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ) في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر ، فلما علموا ما أعطى الله [ عز وجل ] أهل بدر من الكرامة قالوا : لئن شهدنا قتالا لنقاتلن ، قاله قتادة . والثاني : أنهم أهل العقبة ، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على طاعة الله [ تعالى ] ونصرة رسوله ، قاله مقاتل . والثالث : أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل ، عاهد الله [ تعالى ] معتب بن قشير وثعلبة ابن حاطب : لا نولي دبرا قط ، فلما كان يوم الأحزاب نافقا ، قاله الواقدي ، واختاره أبو سليمان الدمشقي ، وهو أليق مما قبله . وإذا كان الكلام في حق المنافقين ، فكيف يطلق القول على أهل العقبة كلهم ! قوله تعالى : ( وكان عهد الله مسؤولا ) أي : يسألون عنه في الآخرة . ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم ، فقال : ( قل لن ينفعك الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ) بعد الفرار في الدنيا ( إلا قليلا ) وهو باقي آجالكم .